gocorporation
download
التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن - 11
238
عناصر المادة:

الطالب:

القاعدة السادسة والستونمن قواعد القرآن أنه يستدل بالأقوال والأفعال على ما صدرت عنه من الأخلاق والصفات.

وهذه قاعدة جليلة؛ فإن أكثر الناس يَقْصُر نظرَه على نفس اللفظ الدال على ذلك القول أو الفعل، من دون أن يُفَكِّر في أصله وقاعدته التي أوجبت صدور ذلك الفعل والقول، والفَطِن اللبيبُ ينظر إلى الأمرين، ويعرف أن هذا لازم لهذا، أو هذا مُلْزِم لهذا.وقد تقدم ما يقارب هذا المعنى الجليل، ولكن لشدة الحاجة إليه أوردناه على أسلوب آخر، فمن ذلك أن قوله عن عباد الرحمن إنهم: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: ٦٣]، وذلك صادرٌ عن وقارهم وسكينتهم وخشوعهم، وعن حلمهم الواسع، وخُلقهم الكامل، وتنزيههم لأنفسهم عن مقابلة الجاهلين. ومثل قوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل: ١٧] يدل مع ذلك على حُسن إدارة الْمُلك، وكمال السياسة، وحُسن النظام.الشيخ: كيف ذلك؟ قوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، يعني: كلٌّ في عمله الخاص، وهذا لا شك إنه دليل على حُسن إدارة المُلك؛ لأننا لو جعلنا الأعمال كلها عند طائفة واحدة، أو عند شخص واحد، لانهارت أعصابه وعجز عن تدبير المُلك، فإذا وُزِّعَت فقال: هذا على المال، وهذا على السياسة، وهذا على كذا، وهذا على كذا، فهو خير.

***

الطالب: فقوله تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥]، يدل على حُسن الخُلق، ونزاهة النفس عن الأخلاق الرذيلة، وعلى سعة عقولهم، وقوة حلمهم واحتمالهم.ومثل الإخبار عن أهل الجاهلية بتقتيل أولادهم خشية الفقر أو من الإملاق يدلُّ على شدة هلعهم وسوء ظنهم بربهم، وعدم ثقتهم بكفايته، وكذلك قوله عن أعداء رسوله: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: ٥٧]، يدلُّ على سوء ظنهم بالله، وأن الله لا ينصر دينه ولا يُتم كلمته، وأمثلة هذا الأصل كثيرة واضحة لكل صاحبِ فكرةٍ حسنة.طالب آخر: يا شيخ، قال: يُستدل بالأقوال والأفعال على ما صدرت عنه، ما الحُكم (...)؟الشيخ: يعني معناه أن الأقوال والأفعال إذا صدرت من شخص استُدِلَّ بها على حاله كمالًا كان أو نقصًا، فإذا وجدنا هذا الرجل مثلًا متأنيًا في أموره، متدبِّرًا لما يقول وما يفعل، استدللنا بذلك على كمال عقله ووفور ذهنه، وإذا رأينا الأمر بالعكس استدللنا على سوء عقله وتدبيره، يعنى معناه: إنـه يُسْتَدَلّ بالآثار على المؤثِّر، هذا خلاصتها.

***

الطالب:

القاعدة السابعة والستونيُرشِد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقَّق عند ورود الشبهات والتوهُّمات.

وهذه قاعدة جليلة يعبر عنها؛ أن الموهوم لا يدفع المعلوم، وأن المجهول لا يعارض المتيقَّن، ونحوها من العبارات، وقد أرشد الله إليها في مواضع كثيرة لَمَّا أخبر تعالى عن الراسخين في العلم، وأن طريقتهم في المشتبهات أنهم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، فالأمور الْمُحْكَمَة المعلومة يتعين أن يُرْجِع إليها الأمور المشتبهة المظنونة.وقال تعالى في زجر المؤمنين عن القدْح في إخوانهم المؤمنين: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور: ١٢]، فأمرهم بالرجوع إلى ما عُلِم من إيمان المؤمنين الذي يدفع السيئات، وأن يعتبروا هذا الأصل المعلوم، ولا يعتبروا كلام مَن تكلَّم بما يناقضه ويقدح فيه.وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: ٦٩]، فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرئه من كل عيب ونقص قاله فيه مَن آذاه؛ لأنه لا يكون وجيهًا عند ربه حتى يَسْلَم من جميع الْمُنَقِّصَات، ويتحلَّى بجميع الكمالات اللائقة بأمثاله من أولي العزم، فيحذِّر الله هذه الأمة أن يسلكوا مسلك من آذى موسى مع وجاهته، فيؤذوا أعظم الرسل جاهًا عند الله وأرفعهم مقامًا ودرجة.وقال تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢]، وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [سبأ: ٦].

القاعدة الثامنة والستونذكر الأوصاف المتقابلات يُغني عن التصريح بالمفاضلة إذا كان الفرق معلومًا.

وهذه القاعدة في القرآن كثير، يذكرها في المقامات المهمة؛ كالمقابلة بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، وبين إلهية الحق وإلهية ما سواه، فيذكر تباين الأوصاف التي يعرف العقلاء –بالبداهة- التفاوتَ بينها، ويدع التصريح بالمفاضلة إلى العقلاء، قال تعالى: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: ٣٩]، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [النمل: ٥٩، ٦٠]، والآيات التي بعدها.ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [الزمر: ٢٩]، مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود: ٢٤]، وقال تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة: ١٤٠]، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩]، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]، وقال قبلها: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩]. فهذا الموضع ترك القِسْم الآخر كما ترك التصريح بالمفاضلة؛ لعلمه من المقام، فقوله: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِإلى آخرها، يعني: كمن ليس كذلك، والآيات في هذا المعنى كثير، وهو من بلاغة القرآن وأسلوبه العجيب، كقوله: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك: ٢٢].ولمَّا ذكر أوصاف الرسول الداعي وما يدعو إليه، وأعظم الناس معارضة له، قال: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤]، فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم: ٥، ٦]، لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩].وذلك أنه إذا مَيَّزْتَ الأشياء تمييزًا تامًّا، وعَرَفْتَ مراتبها في الخير والشر، والكمال والنقص، صار التصريح بعد ذلك بالتفضيل لا معنى له، والله أعلم.الشيخ: صحيح، يعني الشيء المعلوم ما حاجتك إلى أنه يجاب، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]. طالب: معلوم.الشيخ: معلوم أن الله خير، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍإلى آخره [النمل: ٦٠]، وهكذا، فالشيء المعلوم لو ذُكِر لكان الكلام فيه لغوًا لا فائدة منه.أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩]؛ يعني: كمن هو غافل؛ لا يقنت لا في الليل ولا في النهار على الوصف الذي ذكره الله عَزَّ وَجَلَّ؟ وهكذا أن الشيء المعلوم يغني عنه ذكر ما يقابله، مما هو معلوم أنه خير أو شر.

***

الطالب:

القاعدة التاسعة والستونمن ترك شيئًا لله عَوَّضَه الله خيرًا منه

وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع كثيرة، فمنها ما ذكره الله عن المهاجرين الأوَّلين، الذين هَجَرُوا أوطانهم وأموالهم وأحبابهم لله، فعوَّضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعز والتمكين.وإبراهيم صلى الله عليه وسلم لمَّا اعتزل قومه وأباه وما يدعون من دون الله وَهَبَ له إسحاق ويعقوب، والذرية الصالحين.وسليمان صلى الله عليه وسلم لمَّا أَلْهَتْهُ الخيل عن ذِكر ربه فأتلفها عوَّضه الله الريح تجري بأمره، والشياطينَ كلَّ بناءٍ وغواص.وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله وهب لهم من رحمته، وهيَّأ لهم أسباب التوفيق والراحة، وجعلهم هداية للضالِّين.ومريم التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ٩١].ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالى عوَّضه من محبته وعبادته والإنابة إليه ما يفوق جميع لذات الدنيا.الشيخ: وهذا شيء مشاهَد؛ أنَّ الإنسان إذا ترك محارم الله عَزَّ وَجَلَّ خوفًا من الله سبحانه وتعالى، ورغبة فيما عنده من الثواب، فإنه يجد في قلبه لذة وحلاوة وحُبًّا للخير ما لا يمكن أن يوصَف، وإذا انغمس الإنسان في شهواته، وفي لهوه وغفلته، صارت هذه الشهوات والغفلة واللهو حسرة عليه، وتجده يكون منقبضًا إذا فارق هذه الشهوات طرفة عين.طالب: شيخ، بالنسبة لسليمان، ألا من دليل أنه أتلف ماله سوى (...)؟ الشيخ: نعم، من القرآن: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص: ٣٣]، قال العلماء المفسِّرون مِنَ السَّلف: معناها أنه صار يضرب رقابها وأرجلها، السُّوق: جمع ساق، والأعناق واضحة، وذلك أنه غضب لله عَزَّ وَجَلَّ على نفسه، وحرَم نفسه هذا الأمر الذي أَلْهَتْهُ به عن طاعة الله سبحانه وتعالى.إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمَّا استسلم لذبح ابنه -وهو أحبُّ شيءٍ إليه في الدنيا- ورَّثَه الله عَزَّ وَجَلَّ الْخُلَّة فاتخذه خليلًا.طالب: (...)؟الشيخ: (...)الطالب: (...)الشيخ: إي، يقتلها؛ لأن ضررها عليه هو نفسه، ليتلفها على نفسه، ولهذا كان بعض السلف إذا أَلْهَاهُ شيء من ماله عن طاعة الله أتلفه، حتى يكون هذا الذي ألهاه عن طاعة الله يحرقه ويزيله.الطالب: ويجوز إحراق مثلًا أي شيء؟الشيخ: أحيانًا يجوز.الطالب: مثل السيارة؟الشيخ: نعم، لو بَدِيت (...) صلاة الجمعة، وصلاة الجماعة، وتروح لها البرذان، وبعدين ندمت، قلت: ها السيارة اللي أوجبت إني أترك صلاة الجمعة والجماعة أحرقها.طالب: تعدي (...)؟الشيخ: تعدي؟ لا، إتلاف للمال للنكاية، الغالّ الآن للغنيمة مو بيُحْرَق رحله؟ لو قيل: ليش تحرقوا رحله؟ خَلُّوا رحله مع الغنيمة، نحن نقول: هذا أنكى، ولَّا كان يقول: كل العقوبة في المال تُنسخ؟ طالب: حفاظًا على النفس.الشيخ: ولكن نقول: ما يترتب عليه من المصالح أكثر من كونه مالًا.ولكن هل هذا مشروع لنا؛ أن نقول مثلًا: إذا ألهانا شيء عن ذِكر الله أن نُتلف هذا الشيء؟طالب: إن لم يمكن بغيره..طالب آخر: فيه تفصيل. الشيخ: إي نعم، نقول: لا مانع أن نُتْلِفَه لأجل تعزير للنفس وردع النفس.طالب: يا شيخ، حتى لو كان هذا الشيء يعني بهيمة من بهيمة الأنعام؟الشيخ: إي نعم؛ لأن الله عليم.طالب: الأَوْلَى تَرْكها في البرية..الشيخ: أخاف أنك إذا أتلفتها الآن غضبًا لله عَزَّ وَجَلَّ، ثم رجعت إلى نفسك قلت: أروح أجيبها.طالب: الزوجات؟الشيخ: كيف يعني؟الطالب: يعني يطلقها؟ أَلْهَته يا شيخ عن صلاة الجماعة واحتجزته.الشيخ: نقول أيش يعني؟ إنك تطلِّقها يعني؟! والله يُنْظَر فيها، ولَّا لا شك أنها إذا أَلْهَتْه عن طاعة الله لا شك أن هذا شؤم، هذا من شؤم المرأة أن تكون سببًا لإلهاء الإنسان عن طاعة الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: ١٤]، بيَّن الله عز وجل أن من الأزواج من يكون عدوًّا لنا، وحذَّرَنا من ذلك، وهذا هو الواقع من بعض النساء، تجد بعض النساء تطلب من زوجها أن يذهب بها إلى السينما، وأن يسافر بها للخارج، وأن يمكِّنها من رؤية النساء الكاسيات العاريات، وما أشبه ذلك، وبعض الناس -والعياذ بالله- بهيمة، ليس له إلَّا الشهوة فقط، فهذه محل شهوته لا يهمُّه أن يأتي بكل ما تريد، فيفقد رجولته عند وجود شهوته.

***

الطالب:

القاعدة السبعونالقرآن كفيل بمقاومة جميع المفسدين، ولا يعصِم من جميع الشرور إلا التمسك بأصوله وفروعه

قد تقدَّم من الأدلة على هذا الأصل الكبير في دعوة القرآن إلى الإصلاح والصلاح، وفي طريقته في محاجَّة أهل الباطل، وفي سياسته الداخلية والخارجية ما يدل على هذا الأصل، ويعرف الخلق أن العصمة من الشرور كلِّها التمسك بهذا القرآن وأصوله وعقائده وأخلاقه وآدابه وأعماله، ولكن نزيد هنا بعض التفصيلات.فنقول: أهل الشرور والفساد نوعان:أحدهما: المبطِلون في عقائدهم وأديانهم ومذاهبهم، الذين يدعون إليها، ففي القرآن من الاحتجاج على هؤلاء، وإقامة الحجج والبراهين على فساد أقوالهم شيء كثير، لا يأتي مُبْطِل بقول إلَّا وفي القرآن بيانه بالحق الواضح والبرهان الجلي، ففيه الرد على جميع المبطِلِين من الدَّهرين والماديين والمعطِّلِين والمشركين، والمتمسكين بالأديان المبدَّلة أو المنسوخة من اليهود والنصارى والأميين، وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣].يذكر الله حجج هؤلاء وينقضها، ويُبدي من الأساليب المتنوعة في إفسادها ما هو معروف، وتفصيل هذا بالجملة لا يحتمله هذا الموضع.النوع الثاني من المقاوِمين للأديان والدنيا والسياسات والحقوق: الشيوعيون الذين انتشر شرُّهم وتفاقم أمرهم، وسَرَت دعايتهم في طبقات الخلق سريان النار في العشب الهشيم، ولم يكن عند الأكثرين ما يردُّ صولتهم ويقمع شرهم، وإنما عندهم من الأصول والعقائد والأخلاق والسياسات ما يمكِّن أمثال هؤلاء الذين هم فساد العباد والبلاد. ولكن -ولله الحمد- القرآن العظيم والدين القويم قد تكفَّل بمقاومة هؤلاء، كما تكفَّل بمقاومة غيرهم، وفيه من الأصول والأخلاق والآداب الراقية ما يردُّهم على أعقابهم منهزِمين، فما فيه من العدل، ووجوب الحقوق العادلة بين طبقات الناس بحسب أحوالهم، وما فيه من إيجاب الزكاة والإلزام بها، ودفع حاجات الفقراء والمضطرين، ووجوب القيام بالمصالح الكلية والجزئية، ووجوب حفظ الأملاك والحقوق، كل هذا أعظم سد، وأحكم حصن للوقاية من شرور هؤلاء المفسِدين.وكذلك ما حض عليه القرآن؛ من لزوم الآداب العالية، والأخلاق السامية، والأخوة الدينية، والرابطة الإسلامية، يمنع من تغلغل شرورهم التي طريقها الأقوم: تحليل الأخلاق، وانحلال الآداب، وتحلُّل الروابط النافعة، والثورة العامة على الرأسماليين الذين يجمعون ويمنعون، فهؤلاء -وإن أَبْدَوْا من القوة المادية، والتسلط على العباد بالقهر والاستعباد، والطمع والجشع- فإنهم لا ثُبوت لهم على مقاومة هذا التيار المزعِج الْمُخَرِّب الْمُدَمِّر ما مر عليه. فما معهم من سلاح يقاوم سلاحهم، ولا قوة تجابه قوتهم، لكونهم لم يتمسكوا بالقرآن الذي فيه العصمة والقوة المعنوية والصلاح والإصلاح، والعدل ودفع الظلم، والآداب والأخلاق العالية التي لا تزعزعها عواصف الخراب، بل تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، فإذا جاء هؤلاء المفسدون بالتعطيل المحصن والإنكار والصرف أبدى القرآن من الحجج والبراهين على وجود الله وتوحيده وصدقه، وصدق مَن جاء به ما تَصْدَع له الجبال، وتخضع له فحول الرجال. وإذا تسرب هؤلاء الأشرار بتوسط الأخلاق الرذيلة، وانحلال الآداب الجميلة، ووجدوا مسلكًّا في هذا الطريق يعينهم على تنفيذ باطلهم، جاءهم هذا القرآن بالحثِّ على الأخلاق العالية، والأعمال الصالحة، والآداب الجميلة، التي لا تدع للشر على صاحبها سبيلًا. وإذا صالوا بالفقر والفقراء، ووجوب المساواة، واحتجُّوا على أرباب الأموال بالاحتكار والسيطرة، واستعبادهم للعباد، واستبدادهم بالأملاك والأموال، ولم يجد هؤلاء قوةً عليهم، وليس بهم طاقة توجب بوجهٍ من الوجوه تصدَّى هذا القرآن العظيم -بعدله وقسطه، وإيجابه الحقوق المتنوعة الدافعة للحاجات كلها بعد قيامها بالضرورات- لصدهم ومقاومتهم، وإبطال كل ما به يصولون ويجولون. ثم إذا برز بصلاحه وإصلاحه العظيم، ونظامه الحكيم، وهديه القويم، وحثِّه على سلوك الصراط المستقيم، ونوره الساطع وحججه القواطع، لم يبق في وجهه باطل إلَّا مَحَقَه، ولا شرٌّ إلا سَحَقَه، ولا بقي مَن قَصْدُهُ الحقَّ والصوابَ إلا اختاره واعتنقه، ولا تأمله صاحب عقلٍ ورأي إلا خضع له، فهو الحصن الحصين من جميع الشرور، وهو القاهر لكل من قاومه في كل الأمور.

القاعدة الحادية والسبعونفي اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني

اعلم أن ما مضى من القواعد السابقة هي المقصود في وضع هذا الكتاب؛ وهو بيان الطرق والمسالك التي ترجع إليها كثير من الآيات، وأنها وإن تنوعت ألفاظُها واختلفت أساليبها، فإنها ترجع إلى أصلٍ واحد، وقاعدة كلِّ آيَّة.وأمَّا نفس ألفاظ القرآن الحكيم فإن كثيرًا منها من الألفاظ الجوامع، وهي من أعظم الأدلة على أنها تنزيل من حكيمٍ حميد، وعلى صدق مَن أُعْطِي جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصارًا، ولنمثِّل لهذا النوع أمثلة، ونذكر نموذجًا منه. فمنها قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦]، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: ١٠]، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: ٩٠] الآية، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل: ٢٠]، إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]، وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس: ٤٤]، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ [آل عمران: ٣٠] الآية، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]، إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٨١]، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥]، يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩]، فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: ٢٢]، أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨]، وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢٣٧]، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: ٣]، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف: ٨٥]، فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود: ١١٢]، وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود: ١١٥]، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤]، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠]، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١]، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦]، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: ٩١]، يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٧]، فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: ٤٦]، وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم: ٧٦]، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤]، وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣]، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣]، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: ٥٨]، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠].فهذه الآيات الكريمة وما أشبهها، كل كلمة منها قاعدة في أصل كبير، تحتوي على معانٍ كثيرة، وقد تقدَّم في أثناء القواعد منها شيء كثير، وهي متيسِّرة على حافظ القرآن المعتني بمعرفة معانيه، ولله الحمد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.وقد يسَّر الله تعالى ما منَّ علينا بجمعه، فجاء -ولله الحمد- على اختصاره ووَجَازَتِه ووضوحه كتابًا يسُرُّ الناظرين، ويُعين على فهم كلام رب العالمين، ويُبدي لأهل البصائر والعلم من المآخذ والمسالك والطرق والأصول النافعة ما لا يجده مجموعًا في محل واحد، ومَخْبَرُ الكتاب يغني عن وصفه.وأسأله تعالى أن يجعله خالصًا لوجه الكريم، مقرِّبًا لديه في جنات النعيم، وأن ينفع به مؤلفه وقارئه والناظر فيه وجميع المسلمين، بمنِّه وكرمه وجوده وإحسانه، وهو خير الراحمين.وصلَّى الله على محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.قال ذلك وكتبه جامعه العبد الفقير إلى الله في كل أحواله عبد الرحمن بن ناصر العبدالله السعدي، وقد تم ذلك في ستة شوال عام ألف وثلاث مئة وخمس وستين، والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.

لا يجوز للمرأة أن تبدي شيئًا من حُلِيِّها، كيف؟ لأنه قال: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور: ٣١]، مع أنها تُعلَم ولا تُرى، فكيف إذا لبست المرأة حُلِيًّا جذَّابًا في ذراعيها أو في ساقيها، وأخذت (...) الناس؛ فإنه يكون أشد تحريمًا، ولهذا لا يجوز للمرأة أن تلبس الحلِيّ وتُبْرز ذراعها للناس.
ثالثًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، والأصل في البيع والشراء أنه حلال مباح، فإذا كان يؤدي إلى ترك واجب، وهو صلاة الجمعة، كان حرامًا.
طالب: يعني لو واحد عقد بيعًا لشخص أثناء صلاة الجمعة؟
الشيخ: إي نعم، فهو باطل؛ لأنه منهي عنه بخصوصه.
طالب: شيخ: في الأذان الأول ولَّا الأذان الثاني؟
الشيخ: الأذان الثاني، اللي عند مجيء الإمام.
الطالب: عندنا بيقولوا: عند الأذان الأول..
الشيخ: لا؛ لأن هذا هو المعروف المعهود من الآية، فتحمل الآيات عليه.
طالب: شيخ، مثل عقود الزواج والنكاح، هل تبطل أيضًا؟
الشيخ: يعني معقولة ها الوقت يعقدون الزواج؟ (...) سؤال وجيه لكنه حقيقة..
طالب: يبطل العقد.
طالب آخر: ليس بيعًا.
الشيخ: يقول بعض العلماء: أنه لا يبطل؛ لأنه ليس ببيع، والله سبحانه إنما نهى عن البيع، ولكن قال بعض العلماء: إنما نهى الله عن البيع؛ لأنه هو الأكثر المعتاد، ولأنه هو السبب الذي جعل الصحابة يخرجون من عند الرسول عليه الصلاة والسلام ليتلقوا هذه التجارة، فيكون ذِكر البيع ليس من باب التخصيص، ولكن من باب ذكر الغالب، وأن كل ما ألهى عن ذِكر الله وعن حضور الصلاة فإنه يقع باطلًا.
وعلى هذا فنقول لهؤلاء الذين يريدون أن يعقدوا الزواج في هذا الوقت: انتظروا لمدة نصف ساعة حتى ينتهي الخطيب وصلاة الجمعة.
طالب: على هذا القياس يا شيخ يكون هو من باب أولى يكون أبطل؛ لأن البيع ممكن يفوت، أما هذا العقد ما يفوت، ينتظرونه ويعقد بعد الصلاة.
الشيخ: (...) إن ما عقدنا لك الحين (...).
طالب: الراجح هذا العقد يبطُل أو لا يبطل؟
الشيخ: هو قد يرجح القول الأول، وهو التخصيص بالبيع؛ لأنه هو الذي يَرِد غالبًا، يعني لو أنك فكَّرت في معاملة الناس لوجدت البيع يقع كثيرًا في هذا الوقت، وعقد النكاح قليل نادر، وإلا هو ربما يكون انشغال الإنسان بعقد النكاح أشد من انشغاله بالبيع.
وعلى كل حال -الحمد لله- الأمر فيه سعة، نقول: بدل من أنه يعقد في هذا الوقت فليؤخَّر.
طالب: (...) تعقدوا الوقت الحين الساعة واحدة اثنين (...).
الشيخ: الأمر واسع، إنما المشهور من المذهب عند الحنابلة أنه أيش؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يا أخي؛ نسيتم؟
طالب: وسائر العقود.
الشيخ: قالوا: يصحُّ النكاح وسائر العقود، ما عدا البيع وما في معناه مثل الإجارة، أما بقية النكاح في غير العقود فإنها تصح، وعلَّلوا ذلك بأنها نادرة، والنادر لا حكم، وفيه وجه آخر في المذهب؛ أن النكاح وسائر العقود لا تصح؛ لأن العلة الموجودة في النهي عن البيع موجودة في هذه العقود.

***

القاعدة السادسة والستون: من قواعد القرآن أنه يستدل بالأقوال والأفعال على ما صدرت عنه من الأخلاق والصفات
00:04:31

الطالب:

القاعدة السادسة والستون
من قواعد القرآن أنه يستدل بالأقوال والأفعال على ما صدرت عنه من الأخلاق والصفات.

وهذه قاعدة جليلة؛ فإن أكثر الناس يَقْصُر نظرَه على نفس اللفظ الدال على ذلك القول أو الفعل، من دون أن يُفَكِّر في أصله وقاعدته التي أوجبت صدور ذلك الفعل والقول، والفَطِن اللبيبُ ينظر إلى الأمرين، ويعرف أن هذا لازم لهذا، أو هذا مُلْزِم لهذا.
وقد تقدم ما يقارب هذا المعنى الجليل، ولكن لشدة الحاجة إليه أوردناه على أسلوب آخر، فمن ذلك أن قوله عن عباد الرحمن إنهم: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: ٦٣]، وذلك صادرٌ عن وقارهم وسكينتهم وخشوعهم، وعن حلمهم الواسع، وخُلقهم الكامل، وتنزيههم لأنفسهم عن مقابلة الجاهلين.
ومثل قوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل: ١٧] يدل مع ذلك على حُسن إدارة الْمُلك، وكمال السياسة، وحُسن النظام.

الشيخ: كيف ذلك؟ قوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، يعني: كلٌّ في عمله الخاص، وهذا لا شك إنه دليل على حُسن إدارة المُلك؛ لأننا لو جعلنا الأعمال كلها عند طائفة واحدة، أو عند شخص واحد، لانهارت أعصابه وعجز عن تدبير المُلك، فإذا وُزِّعَت فقال: هذا على المال، وهذا على السياسة، وهذا على كذا، وهذا على كذا، فهو خير.

***

الطالب:
فقوله تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥]، يدل على حُسن الخُلق، ونزاهة النفس عن الأخلاق الرذيلة، وعلى سعة عقولهم، وقوة حلمهم واحتمالهم.
ومثل الإخبار عن أهل الجاهلية بتقتيل أولادهم خشية الفقر أو من الإملاق يدلُّ على شدة هلعهم وسوء ظنهم بربهم، وعدم ثقتهم بكفايته، وكذلك قوله عن أعداء رسوله: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص: ٥٧]، يدلُّ على سوء ظنهم بالله، وأن الله لا ينصر دينه ولا يُتم كلمته، وأمثلة هذا الأصل كثيرة واضحة لكل صاحبِ فكرةٍ حسنة.

طالب آخر: يا شيخ، قال: يُستدل بالأقوال والأفعال على ما صدرت عنه، ما الحُكم (...)؟
الشيخ: يعني معناه أن الأقوال والأفعال إذا صدرت من شخص استُدِلَّ بها على حاله كمالًا كان أو نقصًا، فإذا وجدنا هذا الرجل مثلًا متأنيًا في أموره، متدبِّرًا لما يقول وما يفعل، استدللنا بذلك على كمال عقله ووفور ذهنه، وإذا رأينا الأمر بالعكس استدللنا على سوء عقله وتدبيره، يعنى معناه: إنـه يُسْتَدَلّ بالآثار على المؤثِّر، هذا خلاصتها.

***

القاعدة السابعة والستون: يرشد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق، للخروج من الشبهات والتوهمات
00:09:40

الطالب:

القاعدة السابعة والستون
يُرشِد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقَّق عند ورود الشبهات والتوهُّمات.

وهذه قاعدة جليلة يعبر عنها؛ أن الموهوم لا يدفع المعلوم، وأن المجهول لا يعارض المتيقَّن، ونحوها من العبارات، وقد أرشد الله إليها في مواضع كثيرة لَمَّا أخبر تعالى عن الراسخين في العلم، وأن طريقتهم في المشتبهات أنهم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، فالأمور الْمُحْكَمَة المعلومة يتعين أن يُرْجِع إليها الأمور المشتبهة المظنونة.
وقال تعالى في زجر المؤمنين عن القدْح في إخوانهم المؤمنين: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور: ١٢]، فأمرهم بالرجوع إلى ما عُلِم من إيمان المؤمنين الذي يدفع السيئات، وأن يعتبروا هذا الأصل المعلوم، ولا يعتبروا كلام مَن تكلَّم بما يناقضه ويقدح فيه.
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: ٦٩]، فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرئه من كل عيب ونقص قاله فيه مَن آذاه؛ لأنه لا يكون وجيهًا عند ربه حتى يَسْلَم من جميع الْمُنَقِّصَات، ويتحلَّى بجميع الكمالات اللائقة بأمثاله من أولي العزم، فيحذِّر الله هذه الأمة أن يسلكوا مسلك من آذى موسى مع وجاهته، فيؤذوا أعظم الرسل جاهًا عند الله وأرفعهم مقامًا ودرجة.
وقال تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢]، وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [سبأ: ٦].

القاعدة الثامنة والستون: ذكر الأوصاف المتقابلات يغنى عن التصريح بالمفاضلة إذا كان الفرق معلوما
00:12:13

القاعدة الثامنة والستون
ذكر الأوصاف المتقابلات يُغني عن التصريح بالمفاضلة إذا كان الفرق معلومًا.

وهذه القاعدة في القرآن كثير، يذكرها في المقامات المهمة؛ كالمقابلة بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، وبين إلهية الحق وإلهية ما سواه، فيذكر تباين الأوصاف التي يعرف العقلاء –بالبداهة- التفاوتَ بينها، ويدع التصريح بالمفاضلة إلى العقلاء، قال تعالى: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: ٣٩]، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [النمل: ٥٩، ٦٠]، والآيات التي بعدها.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [الزمر: ٢٩]، مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود: ٢٤]، وقال تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة: ١٤٠]، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩]، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]، وقال قبلها: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩].
فهذا الموضع ترك القِسْم الآخر كما ترك التصريح بالمفاضلة؛ لعلمه من المقام، فقوله: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِإلى آخرها، يعني: كمن ليس كذلك، والآيات في هذا المعنى كثير، وهو من بلاغة القرآن وأسلوبه العجيب، كقوله: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك: ٢٢].
ولمَّا ذكر أوصاف الرسول الداعي وما يدعو إليه، وأعظم الناس معارضة له، قال: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤]، فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم: ٥، ٦]، لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩].
وذلك أنه إذا مَيَّزْتَ الأشياء تمييزًا تامًّا، وعَرَفْتَ مراتبها في الخير والشر، والكمال والنقص، صار التصريح بعد ذلك بالتفضيل لا معنى له، والله أعلم.

الشيخ: صحيح، يعني الشيء المعلوم ما حاجتك إلى أنه يجاب، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩].
طالب: معلوم.
الشيخ: معلوم أن الله خير، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍإلى آخره [النمل: ٦٠]، وهكذا، فالشيء المعلوم لو ذُكِر لكان الكلام فيه لغوًا لا فائدة منه.
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩]؛ يعني: كمن هو غافل؛ لا يقنت لا في الليل ولا في النهار على الوصف الذي ذكره الله عَزَّ وَجَلَّ؟ وهكذا أن الشيء المعلوم يغني عنه ذكر ما يقابله، مما هو معلوم أنه خير أو شر.

***

القاعدة التاسعة والستون: من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه
00:17:55

الطالب:

القاعدة التاسعة والستون
من ترك شيئًا لله عَوَّضَه الله خيرًا منه

وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع كثيرة، فمنها ما ذكره الله عن المهاجرين الأوَّلين، الذين هَجَرُوا أوطانهم وأموالهم وأحبابهم لله، فعوَّضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعز والتمكين.
وإبراهيم صلى الله عليه وسلم لمَّا اعتزل قومه وأباه وما يدعون من دون الله وَهَبَ له إسحاق ويعقوب، والذرية الصالحين.
وسليمان صلى الله عليه وسلم لمَّا أَلْهَتْهُ الخيل عن ذِكر ربه فأتلفها عوَّضه الله الريح تجري بأمره، والشياطينَ كلَّ بناءٍ وغواص.
وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله وهب لهم من رحمته، وهيَّأ لهم أسباب التوفيق والراحة، وجعلهم هداية للضالِّين.
ومريم التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ٩١].
ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالى عوَّضه من محبته وعبادته والإنابة إليه ما يفوق جميع لذات الدنيا.

الشيخ: وهذا شيء مشاهَد؛ أنَّ الإنسان إذا ترك محارم الله عَزَّ وَجَلَّ خوفًا من الله سبحانه وتعالى، ورغبة فيما عنده من الثواب، فإنه يجد في قلبه لذة وحلاوة وحُبًّا للخير ما لا يمكن أن يوصَف، وإذا انغمس الإنسان في شهواته، وفي لهوه وغفلته، صارت هذه الشهوات والغفلة واللهو حسرة عليه، وتجده يكون منقبضًا إذا فارق هذه الشهوات طرفة عين.
طالب: شيخ، بالنسبة لسليمان، ألا من دليل أنه أتلف ماله سوى (...)؟
الشيخ: نعم، من القرآن: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص: ٣٣]، قال العلماء المفسِّرون مِنَ السَّلف: معناها أنه صار يضرب رقابها وأرجلها، السُّوق: جمع ساق، والأعناق واضحة، وذلك أنه غضب لله عَزَّ وَجَلَّ على نفسه، وحرَم نفسه هذا الأمر الذي أَلْهَتْهُ به عن طاعة الله سبحانه وتعالى.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمَّا استسلم لذبح ابنه -وهو أحبُّ شيءٍ إليه في الدنيا- ورَّثَه الله عَزَّ وَجَلَّ الْخُلَّة فاتخذه خليلًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...)
الطالب: (...)
الشيخ: إي، يقتلها؛ لأن ضررها عليه هو نفسه، ليتلفها على نفسه، ولهذا كان بعض السلف إذا أَلْهَاهُ شيء من ماله عن طاعة الله أتلفه، حتى يكون هذا الذي ألهاه عن طاعة الله يحرقه ويزيله.
الطالب: ويجوز إحراق مثلًا أي شيء؟
الشيخ: أحيانًا يجوز.
الطالب: مثل السيارة؟
الشيخ: نعم، لو بَدِيت (...) صلاة الجمعة، وصلاة الجماعة، وتروح لها البرذان، وبعدين ندمت، قلت: ها السيارة اللي أوجبت إني أترك صلاة الجمعة والجماعة أحرقها.
طالب: تعدي (...)؟
الشيخ: تعدي؟ لا، إتلاف للمال للنكاية، الغالّ الآن للغنيمة مو بيُحْرَق رحله؟ لو قيل: ليش تحرقوا رحله؟ خَلُّوا رحله مع الغنيمة، نحن نقول: هذا أنكى، ولَّا كان يقول: كل العقوبة في المال تُنسخ؟
طالب: حفاظًا على النفس.
الشيخ: ولكن نقول: ما يترتب عليه من المصالح أكثر من كونه مالًا.
ولكن هل هذا مشروع لنا؛ أن نقول مثلًا: إذا ألهانا شيء عن ذِكر الله أن نُتلف هذا الشيء؟
طالب: إن لم يمكن بغيره..
طالب آخر: فيه تفصيل.
الشيخ: إي نعم، نقول: لا مانع أن نُتْلِفَه لأجل تعزير للنفس وردع النفس.
طالب: يا شيخ، حتى لو كان هذا الشيء يعني بهيمة من بهيمة الأنعام؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الله عليم.
طالب: الأَوْلَى تَرْكها في البرية..
الشيخ: أخاف أنك إذا أتلفتها الآن غضبًا لله عَزَّ وَجَلَّ، ثم رجعت إلى نفسك قلت: أروح أجيبها.
طالب: الزوجات؟
الشيخ: كيف يعني؟
الطالب: يعني يطلقها؟ أَلْهَته يا شيخ عن صلاة الجماعة واحتجزته.
الشيخ: نقول أيش يعني؟ إنك تطلِّقها يعني؟! والله يُنْظَر فيها، ولَّا لا شك أنها إذا أَلْهَتْه عن طاعة الله لا شك أن هذا شؤم، هذا من شؤم المرأة أن تكون سببًا لإلهاء الإنسان عن طاعة الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: ١٤]، بيَّن الله عز وجل أن من الأزواج من يكون عدوًّا لنا، وحذَّرَنا من ذلك، وهذا هو الواقع من بعض النساء، تجد بعض النساء تطلب من زوجها أن يذهب بها إلى السينما، وأن يسافر بها للخارج، وأن يمكِّنها من رؤية النساء الكاسيات العاريات، وما أشبه ذلك، وبعض الناس -والعياذ بالله- بهيمة، ليس له إلَّا الشهوة فقط، فهذه محل شهوته لا يهمُّه أن يأتي بكل ما تريد، فيفقد رجولته عند وجود شهوته.

***

القاعدة السبعون: القرآن كفيل بمقاومة جميع المفسدين ولا يعصم من جميع الشرور إلا التمسك بأصوله وفروعه وتنفيذ شرائعه وأحكامه
00:25:24

الطالب:

القاعدة السبعون
القرآن كفيل بمقاومة جميع المفسدين، ولا يعصِم من جميع الشرور إلا التمسك بأصوله وفروعه

قد تقدَّم من الأدلة على هذا الأصل الكبير في دعوة القرآن إلى الإصلاح والصلاح، وفي طريقته في محاجَّة أهل الباطل، وفي سياسته الداخلية والخارجية ما يدل على هذا الأصل، ويعرف الخلق أن العصمة من الشرور كلِّها التمسك بهذا القرآن وأصوله وعقائده وأخلاقه وآدابه وأعماله، ولكن نزيد هنا بعض التفصيلات.
فنقول: أهل الشرور والفساد نوعان:
أحدهما: المبطِلون في عقائدهم وأديانهم ومذاهبهم، الذين يدعون إليها، ففي القرآن من الاحتجاج على هؤلاء، وإقامة الحجج والبراهين على فساد أقوالهم شيء كثير، لا يأتي مُبْطِل بقول إلَّا وفي القرآن بيانه بالحق الواضح والبرهان الجلي، ففيه الرد على جميع المبطِلِين من الدَّهرين والماديين والمعطِّلِين والمشركين، والمتمسكين بالأديان المبدَّلة أو المنسوخة من اليهود والنصارى والأميين، وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣].
يذكر الله حجج هؤلاء وينقضها، ويُبدي من الأساليب المتنوعة في إفسادها ما هو معروف، وتفصيل هذا بالجملة لا يحتمله هذا الموضع.
النوع الثاني من المقاوِمين للأديان والدنيا والسياسات والحقوق: الشيوعيون الذين انتشر شرُّهم وتفاقم أمرهم، وسَرَت دعايتهم في طبقات الخلق سريان النار في العشب الهشيم، ولم يكن عند الأكثرين ما يردُّ صولتهم ويقمع شرهم، وإنما عندهم من الأصول والعقائد والأخلاق والسياسات ما يمكِّن أمثال هؤلاء الذين هم فساد العباد والبلاد.
ولكن -ولله الحمد- القرآن العظيم والدين القويم قد تكفَّل بمقاومة هؤلاء، كما تكفَّل بمقاومة غيرهم، وفيه من الأصول والأخلاق والآداب الراقية ما يردُّهم على أعقابهم منهزِمين، فما فيه من العدل، ووجوب الحقوق العادلة بين طبقات الناس بحسب أحوالهم، وما فيه من إيجاب الزكاة والإلزام بها، ودفع حاجات الفقراء والمضطرين، ووجوب القيام بالمصالح الكلية والجزئية، ووجوب حفظ الأملاك والحقوق، كل هذا أعظم سد، وأحكم حصن للوقاية من شرور هؤلاء المفسِدين.
وكذلك ما حض عليه القرآن؛ من لزوم الآداب العالية، والأخلاق السامية، والأخوة الدينية، والرابطة الإسلامية، يمنع من تغلغل شرورهم التي طريقها الأقوم: تحليل الأخلاق، وانحلال الآداب، وتحلُّل الروابط النافعة، والثورة العامة على الرأسماليين الذين يجمعون ويمنعون، فهؤلاء -وإن أَبْدَوْا من القوة المادية، والتسلط على العباد بالقهر والاستعباد، والطمع والجشع- فإنهم لا ثُبوت لهم على مقاومة هذا التيار المزعِج الْمُخَرِّب الْمُدَمِّر ما مر عليه.
فما معهم من سلاح يقاوم سلاحهم، ولا قوة تجابه قوتهم، لكونهم لم يتمسكوا بالقرآن الذي فيه العصمة والقوة المعنوية والصلاح والإصلاح، والعدل ودفع الظلم، والآداب والأخلاق العالية التي لا تزعزعها عواصف الخراب، بل تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، فإذا جاء هؤلاء المفسدون بالتعطيل المحصن والإنكار والصرف أبدى القرآن من الحجج والبراهين على وجود الله وتوحيده وصدقه، وصدق مَن جاء به ما تَصْدَع له الجبال، وتخضع له فحول الرجال.
وإذا تسرب هؤلاء الأشرار بتوسط الأخلاق الرذيلة، وانحلال الآداب الجميلة، ووجدوا مسلكًّا في هذا الطريق يعينهم على تنفيذ باطلهم، جاءهم هذا القرآن بالحثِّ على الأخلاق العالية، والأعمال الصالحة، والآداب الجميلة، التي لا تدع للشر على صاحبها سبيلًا.
وإذا صالوا بالفقر والفقراء، ووجوب المساواة، واحتجُّوا على أرباب الأموال بالاحتكار والسيطرة، واستعبادهم للعباد، واستبدادهم بالأملاك والأموال، ولم يجد هؤلاء قوةً عليهم، وليس بهم طاقة توجب بوجهٍ من الوجوه تصدَّى هذا القرآن العظيم -بعدله وقسطه، وإيجابه الحقوق المتنوعة الدافعة للحاجات كلها بعد قيامها بالضرورات- لصدهم ومقاومتهم، وإبطال كل ما به يصولون ويجولون.
ثم إذا برز بصلاحه وإصلاحه العظيم، ونظامه الحكيم، وهديه القويم، وحثِّه على سلوك الصراط المستقيم، ونوره الساطع وحججه القواطع، لم يبق في وجهه باطل إلَّا مَحَقَه، ولا شرٌّ إلا سَحَقَه، ولا بقي مَن قَصْدُهُ الحقَّ والصوابَ إلا اختاره واعتنقه، ولا تأمله صاحب عقلٍ ورأي إلا خضع له، فهو الحصن الحصين من جميع الشرور، وهو القاهر لكل من قاومه في كل الأمور.

القاعدة الحادية والسبعون: في اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني
00:32:26

القاعدة الحادية والسبعون
في اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني

اعلم أن ما مضى من القواعد السابقة هي المقصود في وضع هذا الكتاب؛ وهو بيان الطرق والمسالك التي ترجع إليها كثير من الآيات، وأنها وإن تنوعت ألفاظُها واختلفت أساليبها، فإنها ترجع إلى أصلٍ واحد، وقاعدة كلِّ آيَّة.
وأمَّا نفس ألفاظ القرآن الحكيم فإن كثيرًا منها من الألفاظ الجوامع، وهي من أعظم الأدلة على أنها تنزيل من حكيمٍ حميد، وعلى صدق مَن أُعْطِي جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصارًا، ولنمثِّل لهذا النوع أمثلة، ونذكر نموذجًا منه.
فمنها قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦]، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: ١٠]، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: ٩٠] الآية، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨]، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل: ٢٠]، إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]، وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس: ٤٤]، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ [آل عمران: ٣٠] الآية، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]، إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٨١]، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥]، يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩]، فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨]، فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: ٢٢]، أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨]، وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢٣٧]، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود: ٣]، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف: ٨٥]، فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود: ١١٢]، وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود: ١١٥]، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤]، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠]، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١]، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦]، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: ٩١]، يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٧]، فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: ٤٦]، وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم: ٧٦]، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤]، وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣]، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣]، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: ٥٨]، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠].
فهذه الآيات الكريمة وما أشبهها، كل كلمة منها قاعدة في أصل كبير، تحتوي على معانٍ كثيرة، وقد تقدَّم في أثناء القواعد منها شيء كثير، وهي متيسِّرة على حافظ القرآن المعتني بمعرفة معانيه، ولله الحمد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وقد يسَّر الله تعالى ما منَّ علينا بجمعه، فجاء -ولله الحمد- على اختصاره ووَجَازَتِه ووضوحه كتابًا يسُرُّ الناظرين، ويُعين على فهم كلام رب العالمين، ويُبدي لأهل البصائر والعلم من المآخذ والمسالك والطرق والأصول النافعة ما لا يجده مجموعًا في محل واحد، ومَخْبَرُ الكتاب يغني عن وصفه.
وأسأله تعالى أن يجعله خالصًا لوجه الكريم، مقرِّبًا لديه في جنات النعيم، وأن ينفع به مؤلفه وقارئه والناظر فيه وجميع المسلمين، بمنِّه وكرمه وجوده وإحسانه، وهو خير الراحمين.
وصلَّى الله على محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال ذلك وكتبه جامعه العبد الفقير إلى الله في كل أحواله عبد الرحمن بن ناصر العبدالله السعدي، وقد تم ذلك في ستة شوال عام ألف وثلاث مئة وخمس وستين، والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.